ابن كثير

119

البداية والنهاية

وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبي سعيد أن يزوجه بها ، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم ، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك ، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة ، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع ، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت : ما هذا الخزي يا سعيد ؟ فقال : من الخزي فررنا إلى ما ترين ، أي لو أحببناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة . وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة ، وكان له مال يتجر فيه ويقول : اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلا ولا حرصا عليه ، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها ، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم في وفيهم ، وأصل منه رحمي ، وأؤدي منه الحقوق التي فيه ، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار . والله سبحانه وتعالى أعلم . طلق بن حبيب العنزي تابعي جليل ، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس ، وعبد الله بن عمر وغيرهم ، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس ، وهو من أقرانه وأثنى عليه عمرو بن دينار ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ، ولكن تكلموا فيه من جهة أنه كان يقول بالارجاء ، وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث ، وكان يقول تقووا بالتقوى ، فقيل له : صف لنا التقوى ، فقال : التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله ، وترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله . وقال أيضا : إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد ، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى ، أو يقوم بشكرها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين ، وأمسوا تائبين . وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شئ يتصدق به ، وإن لم يجد إلا بصلا ، ويقول : قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ المجادلة : 12 ] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم . قال مالك : قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير . وقد ذكر ابن جرير فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج ، وهم مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطلق بن حبيب ، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد ، وكان من أمر سعيد ما كان والله أعلم . عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني ، تابعي جليل ، روى عن أبيه وعن العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة ، وأمه أسماء ، وخالته عائشة ، وأم سلمة . وعنه جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم . قال محمد بن سعد : كان عروة ثقة كثير الحديث عالما مأمونا ثبتا . وقال العجلي : مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شئ من الفتن . وقال الواقدي : كان فقيها عالما حافظا ثبتا حجة عالما بالسير ، وهو أول من صنف المغازي ، وكان من فقهاء المدينة المعدودين ، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ، وكان أروى الناس للشعر ، وقال ابنه هشام : العلم لواحد من ثلاثة ، لذي حسب يزين به حسبه ، أو ذي دين يسوس به دينه ، أو مختلط بسلطان يتحفه بنعمه ويتخلص